الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

254

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

عجل لهم الإعلام بالعفو لكيلا تطير نفوسهم رهبة وخوفا من غضب اللّه تعالى . وفي تذييله بقوله : وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ تأكيد ما اقتضاه قوله : وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ والظاهر أنّه عفو لأجل التأويل ، فلا يحتاج إلى التّوبة ، ويجوز أن يكون عفوا بعد ما ظهر منهم من الندم والتّوبة ، ولأجل هذا الاحتمال لم تكن الآية صالحة للاستدلال على الخوارج والمعتزلة القائلين بأنّ المعصية تسلب الإيمان . [ 153 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 153 ] إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 153 ) إِذْ تُصْعِدُونَ متعلّق بقوله : ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ [ آل عمران : 152 ] أي دفعكم عن المشركين حين أنتم مصعدون . والإصعاد : الذهاب في الأرض لأنّ الأرض تسمّى صعيدا ، قال جعفر بن علبة : هواي مع الركب اليمانين مصعد والإصعاد أيضا السّير في الوادي ، قال قتادة والربيع : أصعدوا يوم أحد في الوادي . والمعنى : تفرّون مصعدين ، كأنّه قيل : تذهبون في الأرض أي فرارا ، ف إذ ) ظرف للزمان الّذي عقب صرف اللّه إيّاهم وكان من آثاره . وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ أي في هذه الحالة . واللّيّ مجاز بمعنى الرّحمة والرفق مثل العطف في حقيقته ومجازه ، فالمعنى ولا يلوي أحد عن أحد فأوجز بالحذف ، والمراد على أحد منكم ، يعني : فررتم لا يرحم أحد أحدا ولا يرفق به ، وهذا تمثيل للجدّ في الهروب حتّى إنّ الواحد ليدوس الآخر لو تعرّض في طريقه . وجملة وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ حال ، والأخرى آخر الجيش أي من ورائكم . ودعاء الرسول دعاؤه إيّاهم للثبات والرجوع عن الهزيمة ، وهذا هو دعاء الرسول النّاس بقوله : « إليّ عباد اللّه من يكر فله الجنّة » . وقوله : فَأَثابَكُمْ غَمًّا إن كان ضمير فَأَثابَكُمْ ضمير اسم الجلالة ، وهو الأظهر والموافق لقوله بعده : ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ [ آل عمران : 154 ] فهو عطف على صَرَفَكُمْ [ آل عمران : 152 ] أي ترتّب على الصرف إثابتكم . وأصل الإثابة إعطاء الثّواب